دفاتر الصمت.. ما الذي نقوله حين نتوقف عن الكلام؟

دفاتر الصمت.. ما الذي نقوله حين نتوقف عن الكلام؟

ثمة لحظات يصبح فيها الكلام عبئًا، لا وسيلةً للفهم. لحظات ندرك فيها أن الأصوات مهما ارتفعت لن تُغيّر شيئًا في ما نشعر به. فنسكت، لا لأننا عاجزون، بل لأننا نختار الصمت كطريقة مختلفة للحديث.

الصمت ليس فراغًا كما يظنه البعض، بل مساحة مزدحمة بما لم يُقال. هو اللغة التي تكتبها الأرواح حين تتعب الحروف من الشرح، وحين تصبح الإجابات تفصيلًا لا يهمّ.

في كل مرة نصمت فيها، هناك فكرة تُعاد صياغتها في الداخل، ومشاعر تبحث عن شكلٍ آخر للظهور.

تعلمت مع الوقت أن الصمت أحيانًا أصدق من الكلام. فحين تتكاثر الأسئلة ولا نجد جوابًا يليق بها، نختار أن نتركها معلّقة في الهواء. ليس استسلامًا، بل احترامًا لعمقها. وحين نُجرَح ولا نصرّح، نمنح أنفسنا فرصة لنشاهد الألم من بعيد، دون أن نغرق فيه بالكلمات.

هناك نوع من الهدوء لا يصنعه سوى الصمت الواعي؛ ذاك الذي لا يخفي، بل يحفظ. نحفظ به ما لا نريد تشويهه بالحديث، وما لا نريد فقدانه بالتحليل. فالكلمات حين تخرج تفقد بعض نقائها، أما الصمت فيُبقي الأشياء كما هي حقيقية، ثقيلة، جميلة أحيانًا.

وفي دفاتر الصمت التي نحملها في داخلنا، تتجاور أصوات كثيرة: صوت الخيبة التي لم تُروَ، الامتنان الذي لم يُقال، الخوف الذي لم يُعترف به، والحنين الذي لم يجد مكانًا ليُكتب. كل تلك الأصوات لا تختفي، بل تتحول إلى ملامح، إلى نظرات، إلى اختيارات صغيرة تُشكّلنا دون أن نلاحظ.

ربما نحن لا نتوقف عن الكلام حقًا، بل نغيّر طريقته. نصبح أكثر حذرًا في نطق ما نشعر، وأكثر صدقًا في الإصغاء لما يدور داخلنا. ومع الوقت نفهم أن الصمت لا يعني الانقطاع، بل النضج أن تعرف متى تصمت، ومتى تتكلم، ومتى تدع ما فيك يتكلم عنك دون صوت.

في النهاية، لا أحد يبقى صامتًا للأبد. فحتى الصمت يكتب نفسه بطريقةٍ ما. أحيانًا في نظرةٍ طويلة، وأحيانًا في سطرٍ صغير يُقال عرضًا، أو في تدوينة كهذه.. تُقال فيها أشياء كثيرة دون أن تُقال حقًا.