العودة بعد الغياب.. لماذا ابتعدتُ عن الكتابة، وعدتُ بتدوينة عن الصحافة والإنسانية؟

ما يقارب ثلاثة أشهر ابتعدتُ فيها عن الكتابة، عن المدونة، عن الصوت الذي كنت أظنّه يوازن داخلي. لم يكن الانقطاع هروبًا، بل لحظة صمتٍ اضطراري، حين أصبح العالم من حولي أكثر قسوةً مما أستطيع حمله.
والآن، أسمح لنفسي أخيرًا أن أكتب عن سبب هذا الانقطاع. لم يكن قرارًا بسيطًا، ولم يكن مجرد تعبٍ عابر، بل تراكم مشاهد ووجوه وأحداث صعبة دخلت حياتي فجأة، وأصبحت جزءًا من داخلي.
كانت حرب غزة أكثر من خبر. كانت وجعًا حيًّا يطرق قلبي بلا توقف. كل طفلٍ استُشهد، كل وداعٍ أخير، كل دمعة أمٍّ ثكلى، أصبحت جزءًا مني، تسكن الليل وتزحف إلى مناماتي، تجعل النوم ثقيلًا واليقظة أصعب. كنت أكتب الأخبار وأنقل الحقيقة، لكن الكلمة لم تعد تكفي لتفريغ ما بداخلي. وكأن كل فقرةٍ أكتبها تأخذ جزءًا من روحي، وتجعل أيامي مؤقتة، بلا ضمانات، بلا استقرار، بلا راحة. كل قصةٍ كانت تتراكم داخلي، حتى شعرتُ أن الكتابة عن كل ذلك في الوقت نفسه أصبحت عبئًا أكبر من قدرتي على الاحتمال.
وفي هذا اللايقين، جاء الخوف ليسكنني.. محاولة أحد اللصوص اقتحام بيتي تركت أثرًا عميقًا، وشعورًا بأن الأمان ليس حقًا مضمونًا حتى داخل منزلي، وأن حتى لحظات الراحة قد تحمل خطرًا.
شعورٌ باليقظة الدائمة، وحاجة مستمرة للحماية، ليس فقط جسديًا بل داخليًا أيضًا. أصبح شعور الوحدة رفيقي الدائم، رغم كل من حولي، لأن الألم الذي أختبره لا يستطيع أحد أن يشاركني وزنه الكامل. كل ذلك جعل داخلي مكانًا منعزلًا يحتاج إلى استراحة، يحتاج إلى صمت.
إضافةً إلى ذلك، كانت حياتي في تلك الفترة غير مستقرة، مؤقتة، بلا ضمانات؛ العمل الذي أعتمد عليه، الروتين اليومي، وحتى شعور الأمان في البيت كل شيء كان متذبذبًا. تلك المرحلة جعلت أيامي صعبة، وجعلت استمرار الكتابة يبدو مهمةً أكبر من قدراتي النفسية في بعض الأحيان.
توقفت الكتابة، ليس لأنها فقدت معناها، بل لأن قلبي كان بحاجةٍ لأن يستعيد صوابه، أن يعيد ترتيب ذاته، أن يجد طريقة ليحمل كل هذا الألم دون أن ينكسر.
وهنا، في هذه اللحظة من الصمت، وجدت نفسي أعود، ليس فقط لأكتب، بل لأشارك ما يهم، لأكتب عن الإنسانية التي ما زالت تقاوم، عن الصحافة التي هي فعل حب، عن الحقيقة التي يجب أن ترى النور مهما كان الظلام كثيفًا.
عدتُ بتدوينة عن الصحافة والإنسانية، لأنها هي جوهرتي، لأنها المكان الذي أجد فيه صوتي ووجهي الحقيقي، حيث تصبح الكلمات مرساةً وسط بحرٍ من الألم. لقد كتبت لسنوات عن الحقيقة والوجع والإنسانية، وعرفت أن الكلمة يمكن أن تحمل ضوءًا وسط الظلام، حتى لو كان الظلام كثيفًا ومؤلمًا.
أكتب لأقول لنفسي وللقارئ إن الحياة قد تكون مؤقتة، بلا ضمانات، وإننا قد نمرّ بلحظاتٍ قاسية تُوجِعنا وتستنزفنا، لكن الاستمرار في الإحساس، في الكتابة، في نقل الحقيقة، هو ما يجعلنا بشرًا، هو ما يحفظ جزءًا من الإنسانية وسط الخراب.
العودة إلى الكتابة ليست مجرد فعلٍ مهني، إنها عودة إلى ذاتي، إلى إحساسي، إلى قدرتي على أن أرى العالم بعينين صادقتين، وأن أكتب عن قلبٍ ما زال ينبض، رغم كل ما شاهد وعاش.
