ما بعد الفقد.. كيف نعيش؟

دون مقدمات..
أصعب ما في الفقد ليس الألم ذاته، بل ذلك الفراغ الذي يليه. الفراغ الذي لا يمكنك أن تشير إليه بإصبعك، ولا أن تشرحه بجملة واحدة. تشعر وكأن شيئًا ما كان يملأ داخلك مساحة دافئة، ثم انسحب فجأة، وتركك وحدك أمام صمت لا يشبهك.
في لحظات كهذه، لا يكون السؤال: كيف أتجاوز؟ بل: كيف أعيش وأنا أشعر بهذا النقص؟ كيف أواصل أيامي بينما شيء ما في داخلي غير مكتمل؟
الحقيقة التي لا نحب سماعها هي أن الفراغ لا يُملأ سريعًا، ولا يُعالج بالتجاهل. كل محاولة للهروب منه تجعله أكثر حضورًا، أكثر ثِقلًا، وأكثر إيلامًا.
الفقد ليس دائمًا فقدان شخص. أحيانًا نفقد شعورًا بالأمان، أو علاقة كانت تمنحنا معنى، أو نسخة من أنفسنا كنا نحبها. وحين لا نفهم ما الذي خسرناه بالضبط، يتحول الحزن إلى ارتباك، ويصبح الألم بلا اسم.
لذلك، أول خطوة صحية ليست المقاومة، بل الاعتراف. أن نعترف بأننا نتألم.. نشتاق، وأننا لسنا بخير الآن، دون أن نشعر بالذنب حيال ذلك.
نميل غالبًا إلى استعجال الشفاء، كأن الحزن خطأ يجب تصحيحه بسرعة. نُشغل أنفسنا، نملأ وقتنا، نبحث عن بدائل، عن ضجيج يخفف وطأة الصمت. لكن بعض المشاعر لا تُشفى بالانشغال، بل بالحضور. بالحزن الذي يُعاش، لا الذي يُدفن. بالمشاعر التي يُسمح لها أن تمر، لا التي تُخنق في الداخل.
الفراغ العاطفي ليس دليل ضعف، بل دليل ارتباط. دليل أنك أحببت بصدق، وأنك منحت جزءًا من قلبك لما كان يعني لك الكثير. ومع الوقت، ستفهم أن هذا الفراغ ليس عدوًا، بل مرحلة. مساحة مؤلمة، نعم، لكنها مساحة تعيدك إليك. تجعلك أقرب لصوتك الداخلي، أكثر وعيًا بما تحتاجه فعلًا، لا بما كنت تعتقد أنك تحتاجه.
الشفاء لا يأتي فجأة، ولا يسير بخط مستقيم. قد تشعر أنك بخير في يوم، ثم تعود الذكريات في يوم آخر وتربكك من جديد. وهذا طبيعي. ليس تراجعًا، ولا فشلًا، بل جزء من الطريق. طريق طويل، بطيء، لكنه صادق.
ومع مرور الوقت، لن يختفي الفقد، لكنه سيتغير. سيصبح أخف، أهدأ، أقل سيطرة على تفاصيل يومك. ستتعلم كيف تعيش مع الأثر دون أن يؤلمك في كل مرة. وستكتشف، بهدوء، أن قلبك لم ينكسر كما ظننت، بل تعلّم أن يتسع أكثر، وأن يحب الحياة من زاوية مختلفة، أكثر عمقًا، وأكثر رحمة.
